تاريخ سورية الأثري فريسة للسرقة والتدمير(انباء موسكو)
التاريخ : 2012-08-06 01:48:07
أشار الكاتب روبرت فيسك في صحيفة "اندبندنت" أن كنوز سورية التاريخية والتي لا تقدر بثمن من قلاع ومساجد وكنائس قديمة وصروح تعود للعصر الروماني والمدن الأثرية والمتاحف المليئة بالقطع الأثرية النادرة، وقعت فريسة لعمليات السرقة والتدمير من قبل الجماعات الثورية المسلحة وجيش النظام السوري خلال القتال الدائر مؤخرا في
البلاد.
فبينما تم إنقاذ بعض من المناصب الأثرية والمتاحف في كل من دمشق وحلب، فإن التقارير من سورية تشير إلى تعرض عدد آخر من المواقع الأثرية التي لا مثيل لها في الشرق الأوسط لتدمير كبير، مما يجعل إصلاحها غير ممكن.
فقلعة كرك الشهيرة والتي وصفت بأنها لورنس العرب، التي قد تكون أكثر قلاع العالم إدهاشا حيث كان صلاح الدين الأيوبي، قد قُصفت من قِبل الجيش السوري وكما حُطم المصلى الصليبي القائم في داخلها.
ويقول فيسك يذكرنا هذا الدمار الذي وقع على الآثار السورية بما طال الآثار العراقية في أعقاب الحرب الأميركية عليه بهدف إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، من نهب للمتاحف الوطنية وحرق مكتبة بغداد وتدمير المدن السومرية القديمة.
وتفيد تقارير ساهم في كتابتها علماء آثار سوريون وكتاب غربيون خبراء في العصري البرونزي والروماني أن معبدا سوريا قديما في تل الشيخ حمدان قد أصابه الدمار حيث تدمرت جدرانه بشكل كبير مضيفة أن أبراج المراقبة في قلعة المضيق، أهم القلاع الصليبية في منطقة المتوسط والتي تعود أصولها إلى العام 1106، قد تعرضت هي الأخرى للتدمير وسرقة المنحوتات الأثرية الرومانية الهامة في بعض المدن السورية حيث استخدم اللصوص جرافات لقلع البلاط الرماني من الأرض و سرقته، ما يثير الغرابة في الموضوع أنهم استطاعوا سرقة وتهريب اثنين من أضخم المعابد الرومانية القديمة الموجود على قمة صف بعض المباني باستخدام الشارع الرئيس في المدينة القديمة.
وترجع أسباب دمار بعض المباني الأثرية في حلب إلى اختباء جيش الثورة السورية خلف الجدران السميكة للمباني الأثرية ومن جانبها لم تتردد القوات السورية في ضرب مباني تاريخية من أجل الوصول إلى أعدائها.
كما أن الصراعات الدائرة بين المسلحين والقوات السورية في وسط حلب حيث تنتشر المئات من المدن الرومانية المنتشرة على الأطراف والتي اعتبرت في السابق قلب سورية كانت السبب وراء تدمير آثار تلك المنطقة.
كما احتلت القوات السورية قلعة "ابن معان" فوق مدينة بالميرا الرومانية حيث تمركزت الدبابات والآليات العسكرية في وادي القبور غربي المدينة القديمة. ونقلت مصادر أن الجيش النظامي قام بحفر خندق بين الآثار الرومانية.
وتصف جوان فارتشاك الخبيرة في الآثار اللبنانية وضع الآثار في سورية بـ"الكارثي". وكانت فارتشاك قد قامت بالتحقيق في عمليات تدمير وسرقة الآثار العراقية بعد عام 2003، وساعدت متحف بغداد في الإبلاغ عن بعض القطع الأثرية المفقودة. وتضيف فارتشالك "أحدى المشاكل أنه لمدة عشر سنوات قبل الحرب فإن النظام السوري أسس 25 متحفا أثريا في مختلف أنحاء البلاد لتشجيع السياحة ولضمان سلامة القطع الأثرية، والكثير من هذه القطع كان في الحدائق الخارجية للمتاحف بهدف إثبات مدى قدرة النظام على حماية هذه الآثار النادرة حتى وإن كانت غير محاطة بجدران، والآن متحف حمص قد سُرق ولا نعرف قد يكون سُرق من جانب كلا الطرفين الثوار والجيش النظامي". و تجار القطع الأثرية يقولون لي أن سوق الأردن و تركيا ممتلئ بالقطع الأثرية من سورية".
وهنا يَطرح فيسك سؤال أخلاقي حول خوفنا من تدمير الموروثات التاريخية، قد تقتضي الإنسانية هنا أن نضع مقتل الأطفال والسوريين قبل الحفاظ على موروثات حضارية عمرها ثلاثة آلاف عام. وهذا صحيح لكن سرقة مدينة بكاملها يحرم الأجيال القادمة من معرفة الجانب المشرق في تاريخهم و جذورهم.
فسورية عرفت بأرض الحضارات وتعتبر كل من دمشق وحلب من أقدم المدن السكنية في العالم ومهبط المجتمع الزراعي، وهذا الصراع الرهيب في تلك البلاد سيحرمنا ويحرم أولادنا من معرفة هذه القصة التاريخية.
وقد قام علماء الآثار السوريون بتوثيق الدمار الذي حل بالمواقع الأثرية السورية، وجاء في توثيقهم ضرب القرى الواقعة داخل المدينة القديمة من قبل قوات النظام كما قام الثوار أيضا بإطلاق القذائف في المقابل. فمثلا المدينة الصغيرة الموجودة داخل بقايا الحضارة الرومانية "بصرة"، لم يشفع لها احتواؤها على أفضل مسرح روماني في العالم لتبقى منطقته بعيدة عن التدمير. و كذلك في مناطق أثرية أخرى مثل البارة ودير سنبل وعين لاروس في شمال سورية.
في دير سيدناية والذي تأسس من قبل الإمبراطور جوستينان فإن أهالي القرية لا يزالوا يتحدثون الأرامية وهي لغة المسيح، دمرت قذيفة الجانب القديم من المبنى الذي يعود إلى عام 574 ميلاديا. كذلك جامع الأم أياد في درة هو واحد من أقدم المساجد الإسلامية في سورية، والذي بناه الخليفة عمر بن الخطاب قد أصابه الدمار أيضا.
دكتور بسام جاموس عُين المدير العام للآثار في سورية قال: "الإرهابيون هم من استهدفوا المباني التاريخية في دمشق وحلب و البصرة وبالميرا وقلعة صلاح الدين".
قبل أشهر قليلة أعلنت السلطات السورية عن سرقة التمثال الذهبي الذي يعود إلى العام الثامن قبل الميلاد و يمثل الإله الأرامي، وحتى الآن لم يستطيعوا استرجاعه بالرغم من أنهم أبلغوا عنه في الانتربول، كما تم التبليغ عن سرقات لقطع أثرية من دير الزور والرقة ومارة النعمان وقلعة جابر، المدير السوري للمتاحف قد أكد أن بعض القطع من متحف حلب قد تم ترحيلها إلى خزينة في البنك السوري المركزي في دمشق بهدف حمايتها.
"التراث التاريخي والآثري السوري في خطر" وهو ما قاله مجموعة من السوريين المتخصصين في الآثار والذين وثقوا الدمار و السرقة التي لحقت بالآثار السورية على موقعهم على الانترنت.
وهو ما قاله رئيس الوزراء السوري عادل سافار والذي كتب في 11 يوليو الماضي أن "البلاد مهددة من قبل جماعات مسلحة بأحدث الوسائل المتخصصة بسرقة الآثار و المتاحف"، من جانبهم وصف علماء الآثار التصريح بـ"الغريب" وكأنه تحذير من سرقات لم تقع بعد، واعتقدوا أن مسؤولين في النظام السوري يخططون لسرقة وبيع تراث الدولة وهو ما حدث بالفعل في عهد الرئيس الأب حافظ الأسد.
ونعود إلى الخبيرة جوان فراتشاك والتي تضيف إن"الكنائس القديمة والبيوت القديمة والشوارع القديمة في حمص يمكن أن ننساها لأنها لم تعد موجودة" وهي المتخصصة في التراث التاريخي اللبناني والعراقي والقبرصي والسوري، وقد أبلغت جوان عن معلومات جديدة تفيد بقيام اللصوص بحفر ثقوب لسرقة آثار تعود للقرن الثاني ما قبل الميلاد.
ويقول فيسك قد يغضب الغربي لأول وهلة لما يحدث للتراث الإنساني في سورية لكن علينا أن نتذكر أن بعض البلاد الغربية قد قامت هي الأخرى بتدمير بعض موروثها الحضاري، فمن التدمير الروماني لقرطاجة إلى تفجير هامبورج وتدمير عدد من المدن الألمانية في العصور الوسطى وسرقة أعظم المدن الأوروبية وهي كلها ممارسات كانت شائعة خلال الحرب العالمية الأولى كجزء من إضعاف العدو وقد شهد العصر الأخير فضائح لم نعهدها من قبل مثل التحطيم الألماني لمكتبة لوفيانو إلى تدمير الكنائس والكاتدرائيات خلال الحرب العالمية الأولى وتفجير مدينة لندن بالإضافة إلى مدن عديدة في ألمانيا وأوروبا بشكل عام، ونحن هنا لسنا بصدد الإشارة إلى ما وقع في أوروبا لكننا بصدد الإشارة إلى التدمير العربي لذاتهم الحضارية.
في البوسنة والهرسك في أوائل تسعينات القرن الماضي رأيت نفس الشيء من تدمير للأديرة والمساجد والكنائس وحفر القبور وجرفها بهدف تدمير التراث الثقافي والذي توج بحرق مكتبة ساراييفو.
في بغداد عام 2003 هجم عدد من الجمهور على متحف بغداد وسرقوا ما بداخله، بعض هؤلاء المدمرون أتوا إلى المدن بحافلات، وقد رأيتهم وهم يتسلقون جدران المكتبة من الخارج وتعرفت على أحدهم الذي كان رأيته سابقا في عملية إحراق مبنى آخر، وهنا نستنتج أن تدمير المنشآت الثقافية هو في الحقيقة منظم و مخطط له.
فاللصوص يأتون في جماعات كبيرة ، جوان تقول أنها زارت مجموعة من اللصوص وهم يقومون بالتنقيب في جنوب بغداد بهدف الوصول إلى آثار العهد الثاني ما قبل الميلاد.
وتضيف فراتشاك :"خلال الحرب اللبنانية لا احد يعلم كم من الآثار قد سُرقت فيما بين عامي 1975 و1990، ففي عام 1975 نشر الجيش السوري تماما كما يفعل اليوم نشر جنودا حول المواقع الأثرية بما فيها قلعة بعلبك ومعابد لا زالت حتى اليوم تعاني من الدمار الذي حل بها آنذاك".
لهذا من المهم أن نقوم بالجرد لهذه الكنوز الأثرية في المتاحف الوطنية والمدن القديمة، تقول إيما كونليف وهي أستاذة باحثة في مجال الآثار وأول من نشر تفاصيل حول حجم الآثار السورية في كتاباتها تحت عنوان "تدمير الروح السورية: الصراع الثقافي السوري" وعددت كونليف حالات الدمار التي لحقت بالتراث السوري و التي لا يمكن إلا أن نسميها سرقة قاسية لا ترحم.













