send to friend SAVA AS PDF print

الجنرال والمشير والمستشار... رجال من زمن مبارك(العرب اونلاين)

التاريخ : 2012-08-14 11:54:16

من السهل للغاية، وأيضًا من المريح، أنْ يُقسِّم الإنسان كل مَنْ عملوا في ظل الرئيس المصري السابق حسني مبارك إلى "ملائكة" و"شياطين"، لكنَّ ذلك التقسيم- في معظم الأحيان- لن يكون مُعبرًا عن حقيقة الأوضاع الملتبسة خلال الثلاثين عامًا التي قضاها مبارك في الحكم، خصوصًا إذا ما تعلق الأمر بأشخاص كانوا يؤدون عملهم من خلال ترؤسهم لمؤسسات الدولة؛ حيث إنَّ الخطوط الفاصلة ما بين "النظام" و"الدولة" ضاعت معالمها، وتم تجريف "الدولة ومؤسساتها" لصالح "النظام ورجاله"، خاصة في السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك.

والحديث عن "الأوضاع الملتبسة" لا يعني "تبييض سمعة" البعض ممن كانوا أدوات فعالة لنظام مبارك، لكنه محاولة للتفريق ما بين الأدوار التي لعبها البعض من خلال قيادتهم لمؤسسات حساسة في الدولة، وبين آخرين قاتلوا من أجل الالتحاق بـ"حاشية النظام"، ومنها تسللوا إلى مؤسسات الدولة وخزانها، على غرار ما فعله أحمد عز "أيقونة الفساد" الأبرز في زمن مبارك، والذي يمكن اعتباره الرجل الأكثر نفوذًا في مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة من حكم مبارك، أو بالأدق حكم نجله الأصغر "جمال مبارك".

ثنائية متناقضة

وعلى الجانب الآخر يُعَدُّ المشير محمد حسين طنطاوي، وزير دفاع مبارك لسنوات طويلة وحتى تنحيه، واللواء عمر سليمان، مدير مخابراته لما يقرب من عقدين كاملين، والرجل الذي ظن مبارك أنَّه "قارب النجاة" لانتشال نظامه من أمواج الثورة العاتية، لكنَّ ساعة النهاية كانت قد أزفت- يُعَدُّ هذان الشخصان نموذجين معبرين للخلط ما بين "الشخصي" و"المؤسسي" في عهد مبارك.

ومع أنَّ البعض يضع الشخصين في "خانة واحدة"، إلا أنَّ طريقة وأسلوب كل منهما في العمل كان مختلفًا بشكلٍ جذري عن الآخر، كما أنَّ طريقة كل منهما في التعبير عن ولائها لمبارك ونظامه قد اختلفت، وهو ما تجلى في الساعات الأخيرة من حكمه.

وبالنسبة لعمر سليمان، فإنَّ كل الروايات تُجْمِع على أنَّ علاقته بمبارك توطدت عقب محاولة اغتيال مبارك الفاشلة في أديس أبابا؛ حيث أصر سليمان على أنْ يصطحب مبارك سيارته المصفحة رغم اعتراضات مسؤولي وزارة الخارجية، وقد كانت تلك النصحية سببًا رئيسًا في نجاة مبارك، ومنذ ذلك الحين وسليمان هو المستشار الأقرب لمبارك، خاصة فيما يتعلق بشؤون الأمن والاستخبارات.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ إنَّه- مع تزايد ثقة مبارك بولاء وقدرات سليمان- بدأ يحيل إليه العديد من الملفات الاستراتيجية، التي كانت المخابرات تشارك بالفعل في إدارتها، ولكنْ تحت مظلة مؤسسات أخرى، وهو ما حدث في ملفات حوض النيل، والسودان، وفلسطين التي انتقلت من الخارجية إلى "المخابرات".

نفوذ وتغلغل

وهكذا، أصبح "عمر سليمان" هو "الرجل القوي" في نظام مبارك، على الأقل في السنوات العشر الأخيرة، ورغم كل عيوب ومساوئ ذلك إلا أنَّه مكَّن سليمان من تعزيز كفاءة وقوة جهاز المخابرات المصرية؛ بحيث أصبح يحتل مكانة دولية مرموقة، خاصة عقب تفجيرات 11 سبتمبر 2001م في الولايات المتحدة، إذ إنَّ مبارك رأى في تلك التفجيرات "فرصة سانحة" كي يؤكد للولايات المتحدة والغرب صحة تحذيراته من "خطر الإرهاب"، وسعى لتصدير تجربته في التعامل مع "جماعات العنف" خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، وكان "عمر سليمان" هو رجل تلك المرحلة؛ حيث تولى ذلك الملف، وقد بات معروفًا للجميع تفاصيل "رحلات التعذيب بالوكالة"، التي كان ينفذها سليمان لحساب الاستخبارات الأمريكية، كما أشارت روايات متعددة لمعتقلين في جوانتانامو إلى أنَّ محققين مصريين كانوا يشاركون نظراءهم الأمريكيين في استجوابهم.

ورغم كل ما يمكن أنْ يقال في إدانة سليمان إلا أنَّ الصورة لها جانب آخر، وهو أنَّ علاقة سليمان القوية بمبارك منحت المؤسسة التي يقودها- أي جهاز المخابرات- إمكانيات وموارد هائلة، ومنحت عناصرها الفرصة للعمل على إدارة ملفات استراتيجية حساسة، كما أنَّ علاقات سليمان الخارجية منحت المخابرات المصرية الفرصة للعمل والاحتكاك مع أجهزة مخابرات أكثر تقدمًا وإطلاعًا، وهو ما صب في النهاية لصالح تطوير خبرات وكفاءة المؤسسة وعناصرها.

والخلاصة هي أنَّ قرب "عمر سليمان" من مبارك وثِقَتَه فيه مكنه من تعزيز قوة ونفوذ المؤسسة التي يقودها، مع الإقرار بأنَّ ذلك التوسع صاحَبَه- في كثير من الأحيان- انحرافٌ في البوصلة وتشوشًا في الأهداف، إلا أنَّ المؤسسة في المجمل صارت أكثر قوة وكفاءة.

عزلة وانكفاء

وفي المقابل من ذلك، فإنَّ المشير طنطاوي تصرَّف بشكل عكسي؛ حيث دفعته شخصيته المتحفظة والحذرة إلى السعي للابتعاد بالمؤسسة العسكرية عن صراعات القوة والنفوذ داخل نظام مبارك، وهذا ربما يفسر سر إعجاب مبارك بطنطاوي؛ فالمشير لم يكن لديه أي طموح سياسي، كما أنَّ صرامته العسكرية جعلته ينأى بنفسه عن صفقات "البزنس"، وقد شهدت المؤسسة العسكرية في عهد طنطاوي انكفاءً واسعًا على الذات؛ حيث سعى الرجل لتعزيز استقلالية المؤسسة عن "النظام" من خلال التوسع في الأذرع الاقتصادية للجيش، مستفيدًا من حالة الاسترخاء العسكري التي اتسم بها حكم مبارك، وذلك على النقيض مما فعله مثلًا المشير "أبو غزالة"، الذي شهد الجيش في عهده طفرة كبيرة في مجال التسليح والاستعداد القتالي.

ومما يحسب لطنطاوي أنَّه قاوم بشدة ضغوطًا أمريكية من أجل الزج بالجيش المصري في "الحرب على الإرهاب"، بل إنَّ مشاركة بعض عناصر الجيش في مواجهة "جماعات العنف" في تسعينيات القرن الماضي كانت تتم تحت مظلة "الشرطة" وبشكل غير معلن.

كذلك فإنَّ طنطاوي حرص على الابتعاد بجنرالاته عن لُعبة السياسة، وهو ما حظي بتشجيع من مبارك، الذي حرص على تخصيص "كوتا" معتبرة للجنرالات المتقاعدين في مؤسسات الدولة.

وفي السنوات الأخيرة من حكم مبارك- ومع تزايد الاستياء الشعبي من تفشي الفساد، وانهيار مرافق الدولة، إضافةً لتحفظ كبار القادة على مشروع "توريث السلطة"- سعى طنطاوي لأخذ مسافة عن "النظام"، وبدأت تتردد في الصحف إشارات عن: معارضة قادة الجيش للتوريث، وعن رفض الجيش لـ"خصخصة" ذلك المشروع أو تلك المؤسسة، وعن تدخله لإنهاء احتكار أحد الحيتان لسلعةٍ ما.

وهكذا، عندما لاحت ساعة الحقيقة فإنَّ حسابات المشير قادته في البداية إلى موقع "فض الاشتباك" ما بين الشعب والنظام، في حين اعتقد الجنرال أنَّ واجبه يقتضي منه الوقوف إلى جانب "الرئيس"، لكنْ مع تصاعد الأحداث بات واضحًا أنَّ عصا القيادة الحقيقية في يد المشير وجنرالاته، فيما لم يفلح نفوذ "سليمان" وعلاقاته في إنقاذ كرسي الرئيس، أو حتى في انتزاعه لنفسه؛ فكانت الصيغة التي ارتضاها المشير هي أنْ يرحل مبارك وجنراله معًا.

النوايا وحدها لا تكفي

وعلى النقيض من هذين النموذجين، وفي سياق مختلف، تأتي تجربة المستشار "حسام الغرياني"؛ فالرجل يوصف بأنَّه الأبُ الروحي لحركة استقلال القضاء، وهناك إجماع على استقلاليته ونزاهته وكفاءته؛ ولذلك عندما صعد الرجل إلى منصب "رئيس محكمة النقض"، وبالتالي رئيس المجلس الأعلى للقضاء توقع الكثيرون أنْ يُحْدِث الرجل "انقلابًا" داخل مؤسسة القضاء، وأنْ يعزز استقلاليتها ويطهرها من الفساد، لكنَّ ما حدث كان العكس تمامًا؛ حيث تعرض تيار "الاستقلال القضائي" لانتكاسات متعددة خلال تلك الفترة، وأَحْكَم التيار الموالي للسلطة بقيادة المستشار أحمد الزند قبضته على نادي القضاة، وعندما حاول "الغرياني" إعداد مشروع جديد للسلطة القضائية تمكَّن الزند وتياره من إفشال تلك المحاولة.

ومن اللافت للانتباه أنَّ اندلاع الثورة، وسقوط نظام مبارك لم يضف شيئًا لمحاولات "الغرياني" الإصلاحية، التي ازداد تعثرها، حتى رحل الرجل قبل أسابيع عن منصبه دون أنْ يترك بصمةً تذكر.

بالطبع، فإنَّ ذلك الإخفاق لا يعود لقلة همة "الغرياني" أو نقص كفاءته، لكنَّ وجود شخصية نزيهة وإصلاحية على رأس إحدى المؤسسات لا يكفي وحده لإصلاح حالها؛ فالغرياني فشل في امتلاك آليات وأدوات النفوذ والتغلغل داخل مؤسسات الدولة المصرية، وذلك على العكس من تجربة طنطاوي وسليمان؛ فالأخيران رغم أنَّهما ربما يكونان أقل "إصلاحية" من الغرياني، إلا أنَّهما نجحا في فك تلك الشفرة.

ولا يمكن التحجج بأنَّ المناخ في عصر مبارك لم يكن يسمح بنجاح أي محاولة إصلاحية؛ فالشواهد تشير لحدوث عدة اختراقات إصلاحية، وحتى داخل القضاء ذاته؛ حيث نجح المستشار "زكريا عبد العزيز" في إسقاط "مقبل شاكر"، رجل مبارك القوي، من "عرش" نادي القضاة، وقاد عبد العزيز- الذي يوصف بأنَّه أحد تلاميذ "الغرياني"- بكفاءة واقتدار المعركة مع النظام، ونجح في دفع القضاة ليحتلوا صدارة المشهد الإصلاحي خلال السنوات الأخيرة من حكم مبارك.

وكانت كلمة السر في نجاح تجربة "زكريا عبد العزيز" هي الموازنة بين مصالح وامتيازات أفراد المؤسسة التي يمثلها وبين كلفة مطالب الإصلاح التي يتبناها، بحيث يمكن تأجيل إحدى خطوات الإصلاح إذا ما كانت تمس بشكل مباشر امتيازات مستقرة لأفراد المؤسسة؛ لأنَّ ذلك سوف يدفعهم للوقوف في وجه عملية الإصلاح برمتها، كذلك فإنَّ عبد العزيز كان "مقاتلًا"؛ حيث لم ييأس من فشله المتكرر أمام "مقبل شاكر" في انتخابات نادي القضاة، وواصل المعركة حتى نجح في إقناع القضاة بجدارته، في حين أنَّ شخصية "الغرياني" تميل إلى "المثالية" والعزوف عن الصراعات والمعارك، فهو ربما يعتقد أنَّ عليه أنْ يجهر بـ"الحق" كما يعتقده، وأنَّ الآخرين لديهم بعد ذلك حرية الاختيار.