الصـراع المؤسـس فـي تونـس: هل يسـقـط فـي فـخ التعطيـل؟ (السفير)
التاريخ : 2012-08-18 10:46:48
مازن السيد كيف تنجح الدولة؟ سؤال يفرض نفسه عربياً اليوم، مع الانهيارات في الكيانات الحاكمة، وانكشاف التشققات العميقة في العقود الاجتماعية حول محاور الايديولوجيا والدين والقبيلة، في فيء غياب الشرعية الدستورية والقانونية الجامعة. وللمجتمع المدني، بما يشكل نظرياً من قنوات توعية للشعب وتعبير عن مطالبه وإشكالياته مع العقد الاجتماعي السائد ودوره في التأسيس لعلاقة سليمة بين فئات الشعب والطبقة الحاكمة.
هذا المجتمع المدني وفي إطار النظم «الانتخابية»، يسعى ضمناً إلى تطبيع ايجابي متوازن بين الفئات المختلفة، يدفع بهذه الأخيرة نحو مزيد من «المواطنة» والهوية الجامعة بالتجاذب مع الغالبية «الحاكمة ديموقراطياً».
وفي تونس، مخاض عقد اجتماعي جديد. ولا يعني ذلك بالضرورة قطيعة راديكالية مع الأطر الحكومية السابقة. لكن المسار الجديد، ينبثق بلا شك عن حراك ثوري، أعرب عن رفض شرائح اجتماعية واسعة للوضع القائم، وعن إرادة التغيير.
إنها مرحلة «الصراع المؤسس»، التي سيخرج من رحمها دستور توافقي، ومشهد إجتماعي - سياسي - اقتصادي لـ«الجمهورية التونسية الثانية». وفي ظلّ تضاؤل دور المعارضة الحزبية السياسية أو تماهيها مع المجتمع المدني، يتخذ هذا الأخير موقعاً محورياً في هذا الصراع بمواجهة الغالبية الحاكمة.
في 23 تشرين الأول 2011، جرت انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التونسي، الذي من أبرز مهامه، وضع دستور جديد للبلاد، والتمهيد لانتخابات تشريعية ورئاسية، تنهي مرحلة الحكم المؤقت الحالي. حركة «النهضة» الإسلامية وريثة تنظيم «الاتجاه الإسلامي» التاريخي، تمكنت من ضمان غالبية مريحة في المجلس، وأقامت ائتلافاً ثلاثياً حاكماً مع حزبي «المؤتمر الوطني» ذي التوجهات العلمانية الوسطية، و«التكتل الديموقراطي» الأقرب نظرياً إلى اليسار.
ضمن هذا المشهد، بدأت تطفو على السطح حقيقة الإشكالية العقدية في تونس، بعد انقضاء «النشوة الثورية» بإسقاط الوضع القائم. من التحديات الاقتصادية، إلى موقع الهوية الدينية بين الفضاءين الخاص والعام، ومن مسألة المكتسبات الاستثنائية للمرأة التونسية حقوقاً وانخراطاً، إلى قضية المشاركة الشبابية الفعالة، برزت خطوط إشكالية رسمت خريطة جبهة «الصراع المؤسس»، بين «الترويكا» الحاكمة والمجتمع المدني التونسي بمعناه الشامل للحركة النقابية والنشاط القضائي وبعض كيانات المعارضة السياسية الفاعلة مدنياً.
مواقع الصراع
وقبل الدخول في تفاصيل رؤية المجتمع المدني لهذا الصراع، من الضروري توضيح بعض النقاط المتعلقة بالطبقة الحاكمة في شكلها الحالي.
أولها، إنها ليست كتلة متراصّة، لا أيديولوجياً ولا سياسياً ولا اقتصادياً. وقد شهدنا ذلك، في خلافات على أعلى المستويات حول قضية تسليم رئيس الوزراء الليبي السابق البغدادي المحمودي مثلاً، أو في تحذيرات الرئيس المنصف المرزوقي من «ثورة ثانية»، إضافة إلى التشققات العديدة التي شهدها حزبا «المؤتمر» و«التكتل» والخلافات الواضحة داخل الترويكا حول القوانين الدستورية ذات الأهمية الكبرى.
ثانياً، تجدر الإشارة إلى أن «النهضة» تسلمت الحكم، بعد عقود طويلة من الصراعات الداخلية المعقدة، وسنين السجن والتعذيب والتنكيل والمنفى. ولا بدّ بطبيعة الحال لهذه المرحلة من التأثير جوهرياً على المقاربة السلطوية للتنظيم الإسلامي، في اتجاه مزيد من الراديكالية الأيديولوجية، ولكن أيضاً نحو تكريس الإمساك بالنظام كأولوية قصوى ولو على حساب بعض التسويات الدولية أو الخروج عن إطار المسار الديموقراطي.
ثالثاً، تنظر «النهضة» بعين الريبة من منطلق أيديولوجيتها الإسلامية، ومن كونها الطرف السياسي الأقوى إلى مكونات المجتمع المدني، والنقابات والتيارات «الحداثية»، فتتهم بعضاً منها بالتبعية للنظام المخلوع، والبعض الآخر بـ«تعطيل مسار الثورة»، و«التخريب» أو حتى «الانحلال».
وتقسم مديرة منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تونس آمنة قلالي، في حديث إلى «السفير»، تقييم واقع «حقوق الإنسان» بعد سقوط النظام المخلوع، إلى مرحلتين: قبل انتخابات المجلس الوطني التأسيسي وبعدها. وفي هذا التقسيم تمييز صائب بين المرحلة الأولى التي كان للشارع الصوت الأقوى فيها، في مقابل المرحلة اللاحقة وما شهدته من «تسييس» مؤسساتي على أساس أن صناديق الاقتراع اختزلت في الطبقة الحاكمة الجديدة أصوات الشارع وحراكه.
وتقول إن المرحلة الأولى كانت «ايجابية، إذ شهدت توقيف العديد من القوانين القمعية ضد المجتمع المدني، وكل من ينتقد النظام. كما شهدت تنقيح بعض القوانين في اتجاه إرساء مؤسسات ديموقراطية، كما في حالة الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة ومشروع قانون تأسيس الهيئة العليا للإعلام»، بالإضافة إلى الاعتراف بالحق في التظاهر والتعددية الحزبية.
لما بعد الانتخابات «تقييم أكثر سلبية». فقد شهدت البلاد «انتكاسة في حرية التعبير»، تقول قلالي، مشيرة إلى «محاكمات لإعلاميين كما في حالة قناة «نسمة»، وملاحقة مدونين ملحدين على أساس قوانين قمعية من أيام النظام السابق، مثل تعكير صفو النظام العام». كما ترى قلالي أن العمل على «تنقيح» أو إصلاح المؤسسات المحورية كالقضاء والإعلام ووزارة الداخلية، يجري بشكل «بطيء إن لم نقل متباطئ».
أما المتحدثة باسم «الجمعية التونسية للنساء الديموقراطيات» مريم زغيدي فترفض استخدام مصطلح «ما بعد الثورة»، أو بمعنى آخر فهي ترفض إضفاء شرعية ثورية على الطبقة الحاكمة اليوم، وفي ذلك مؤشر قوي إلى طبيعة الصراع في تونس اليوم، حيث تتكئ «النهضة» على نجاحها الساحق في صناديق الاقتراع لمنح حكمها شرعية ثورية تقوّض مناورات خصومها، فيما يعمد الطرف الآخر إلى التركيز على الدور الهامشي للإسلاميين في الحراك الثوري نفسه، والتقليل من أهمية خلاصات الصناديق الانتقالية.
«المسار الثوري لا يكتمل إلا بتحقيق المساواة والكرامة والحرية» تقول زغيدي لـ«السفير»، واصفة خصومها في الحكم بأنهم يحملون «أيديولوجيا رجعية، ونظرة دونية للمرأة، ومشروعاً مستبداً ظلامياً»، لتؤكد أن «الطريق شائك وطويل لكن عزيمتنا أقوى».
القضاء
نبدأ عرضنا لنقاط الصراع الأساسية بين المجتمع المدني والطبقة الحاكمة في تونس، بالملف القضائي. وتقول قلالي إن تجميد عمل الهيئة العليا للقضاء من دون ايجاد البديل، ادى إلى استفادة السلطة التنفيذية من الفراغ التشريعي والمؤسساتي لبسط سلطتها في هذا المجال.
وتشير القلالي إلى المواجهة حول «استقلالية القضاء» في جلسة الثاني من آب الحالي في المجلس التأسيسي التونسي. حيث اقترحت لجنة التشريع العام، التصويت لإرساء هيئة جديدة عليا للقضاء. لكن ممثلي الشعب التونسي انقسموا إلى فئتين: الأولى متمثلة بـ«النهضة» ترفض إدراج كلمة «مستقلة» في صفات الهيئة، فيما الثانية تصر على الاستقلالية بكل معنى الكلمة للهيئة.
واللافت أن هذا الخلاف أسفر عن انتكاسة نيابية لـ«النهضة» التي وجدت حلفاءها في الترويكا، يقفون ضدها في هذه القضية، وأدى ذلك إلى عدم إجراء التصويت. ما أظهر مجددا هشاشة الائتلاف الحاكم، وعدم قدرته على ضمان غالبية مطلقة يحتاجها لتمرير أي قانون بحسب نظام المجلس التأسيسي. وينذر هذا التفتت الداخلي للغالبية، بمآزق كثيرة مقبلة في التصويت على الدستور.
حجة «النهضة» في رفضها لاستقلالية الهيئة القضائية، هي أن القضاء قد أظهر فساداً عميقاً خلال مرحلة النظام المخلوع، وأنه يجب إخضاعه لرقابة السلطة التنفيذية على الأقل مرحلياً، كما لا يمكن تجاهل ما عانته «النهضة» من قمع مر أحيانا كثيرة عبر القضاء بطريقة أو بأخرى.
وهنا تبرز نقطة تجاذب بنيوية بين الطبقة الحاكمة والمجتمع المدني: الطبقة الحاكمة تسعى لتركيز السلطات بيدها على أساس أن المؤسسات الأخرى القائمة مطبوعة بفساد النظام المخلوع، وبذلك تعمل على تقديم مسيرتها كمواجهة مستمرة مع النظام الساقط. أما المجتمع المدني، فينظر إلى صراعه القائم اليوم مع السلطة الحالية كأولوية في بناء دولة ما بعد سقوط المخلوع، ويحاول قدر الإمكان تضييق مساحة السلطة التنفيذية.
المرأة
قدمت لجنة الحقوق والحريات في المجلس التأسيسي بداية آب الحالي مشروع قرار مدعوم من حركة «النهضة»، أثار جدالات طويلة بسبب كلمة «التكامل» الواردة في النص الذي يقول «تضمن الدولة حماية حقوق المرأة ومكتسباتها على أساس مبدأ التكامل مع الرجل داخل الأسرة وبوضفها شريكاً للرجل في التنمية والوطن».
وأدى استخدام مصطلح «التكامل» بدل «المساواة» إلى انتقادات عديدة أبرزها في البيان المشترك لكل من «الجمعية التونسية للنساء الديموقراطيات»، و«جمعية النساء التونسيات للبحث والتنمية» و«الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان»، ومنظمات أخرى في 4 آب، الذي اعتبر أن «إقرار الفصل بصيغته هذه يشدّ الشعب التونسي إلى الوراء»، مطالباً بسحبه.
كما اعتبر البيان أن الصيغة المطروحة «ضرب للمكاسب وتكريس لمنظومة ابوية تمنح السلطة المطلقة للرجل وتسلب المرأة حقوقها بوصفها مواطنة كاملة الحقوق وتتمتع بالشخصية القانونية».
«مصطلح التكامل مع الرجل ليس في مستوى الثورة والنساء التونيسات»، تقول زغيدي. وتشير إلى أن «قياديي حركة النهضة حاولوا التراجع والمناورة، وإظهار الأمور وكأن هناك سوء فهم. لذلك نطالب حركة النهضة بالوضوح. وإذا كانت كلمة المساواة لا تخيفهم فلماذا لا يقرونها بوضوح؟».
«المس بالمقدسات»
من جانب آخر، تشير آمنة القلالي إلى «المسائل الخلافية العميقة جداً» في المجلس التأسيسي وأبرزها قضية حرية التعبير. وتقول إنه «أمسى واضحاً بعد أشهر من الصراع، توجه مجموعة النهضة نحو الحد من حرية التعبير تحت شعار رفض المس بالمقدسات، وتجريمه باقتراح النهضة». وبالفعل قامت لجنة الحقوق والحريات باقتراح صيغة تجرّم ذلك، بعد التصويت داخل اللجنة بـ10 أصوات ضد الفصل بل 11 معه.
وترى قلالي إن هذا الفصل «يشكل انتكاسة وتراجعاً كبيراً في حرية التعبير، ويؤسس لإرساء رقابة شديدة باسم الدين. ولا نعرف بعد كيف ستحسم القضية، فالتصويت على الدستور سيتم فصلاً فصلاً ويتطلب موافقة الغالبية المطلقة على كل فصل».
وترصد القلالي في هذا السياق «تحولاً في خطاب النهضة»، فقبل الانتخابات كانت تتبنى «خطاباً مدنياً لإرساء دولة حديثة»، لكنها بعد ذلك تحولت إلى «موقع أكثر ارتباطاً بالدين واحتكاره سياسياً».
أما زغيدي فتعتبر أن «النهضة» لعبت انتخابياً على «الخوف من ربي»، واستثمرت العاطفة الدينية لدى التونسيين، لكنها بدأت تصور نفسها وكأنها أتت «لإعادة الدين. لكن الدين موجود في تونس ولم ينته أبدا. والمناسك تمارس، بالرغم من حملات النظام السابق أحياناً ضد المحجبات أو الذين يظهرون الالتزام الديني».
لائحة محاور المواجهة بين المجتمع المدني والحكم «النهضاوي» أساسا في تونس تطول: إصلاح وزارة الداخلية، تعويض شهداء ومصابي الثورة، استقلالية الإعلام وغيرها.
و«النهضة» قد بدأت تحكم قبضتها على الحكم مع «فتح الفضاء الحزبي على فضاء الدولة»، لكن ذلك لا يعني أن المعركة محسومة فالمجتمع المدني التونسي هو الأقوى (أو الوحيد) عربياً، ويتمتع بهامش تجييش شعبي لا يستهان به، خصوصاً إذا شملنا به الحركة العمالية النقابية والقضاة والمحامين.
المشكلة الأساسية هنا «فخ التعطيل»، فالطبقة الحاكمة تتهم المجتمع المدني وحلفاءه بتعطيل مسار الشرعية الثورية المنبثقة عن الانتخابات، ومنعها من المضي قدماً في وضع الأسس الدستورية العقدية للبلاد. وفي ذلك عدم اعتراف بجوهر دور المجتمع المدني والمعارضة، وبوادر استبداد أيديولوجي. لكن الواقع أنه كلما تباطأت العملية الانتقالية، وطال مسار إطلاق «الجمهورية الثانية»، تدفع البلاد ثمناً باهظاً في ظل معضلة اقتصادية، كانت هي الشعلة الحقيقية للثورة التونسية.
فهل ستنجح «النهضة» البراغماتية في إخراج «الصراع المؤسس» من «فخ التعطيل»، أم ستغلب الايديولوجيا الدينية على الالتزام الديموقراطي فتجد طريقها نحو إعادة انتاج الاستبداد بلباس ديني؟













